آسيا/ لبنان- الدكتورة ثريّا بشعلاني:الاضطهادات لم تكن يوماً سبباً لإطفاء الايمان

الخميس, 13 يونيو 2019 الشرق الأوسط   الكنائس الشرقية   مسكونية   الإسلام   حوار   شهداء   اضطهادات  

نقلاً عن صحيفة الأوسرفاتوري رومانو : حوار بين الصحفي جانّي فالينتي وامينة سرّ مجلس كنائس الشرق الاوسط الدكتورة ثريّا بشعلاني في مقابلة في جامعة القدّيس يوسف خلال رحلة نظّمتها أوبرا الحج الرومانية. (Opera romana pellegrinaggi.)
إذا سألت ثريا بشعلاني ما الذي يجب ان نقوم به للاهتمام بالأخوة المسيحيين في الشرق الأوسط ، في وقت المحنة هذا الذي يعاني فيه الكثيرون ، فهي لا تتحدث عن حملات إعلامية لزيادة الوعي فيما يتعلّق بحقوق الأقليات أو جمع التبرعات لإعادة بناء المنازل والكنائس. إنّما تقترح الاستماع إلى الحسّ الايماني لشعب الله ، وتذكر أنّ الاضطهادات لم تكن يوماً سبباً في قتل كنيسة المسيح. إن نظرتها الشغوف إلى أحداث ومخاض الكنائس في تلك المنطقة تضعها اليوم في خدمة مجلس كنائس الشرق الأوسط ، الهيئة المسكونية التي تشغل فيها منصب الأمين العام منذ كانون الثاني 2018. الأستاذة اللبنانية ثريا بشعلاني ، مسيحية مارونية ، تدرّس علم اللاهوت في جامعة القديس يوسف في بيروت. يهدف مجلس كنائس الشرق الأوسط (Mecc) ، الذي تم تأسيسه في عام 1974 في نيقوسيا ومقره حاليًا في بيروت ، إلى خدمة التواصل بين المجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط وتشجيع التغلب على التناقضات الطائفية.

في الغرب ، يقول الكثيرون إن عنف ما يسمى بالجهاديين الإسلاميين يضعف الوجود المسيحي في الشرق الأوسط.
انا لا أعتقد أن داعش سيجعل المسيحية تموت في الشرق الأوسط وأقل من ذلك الإسلام. عندما تفشل المسيحية في بعض المناطق ، هناك دائمًا أسباب وعوامل اكثر حميمية أخرى .

ليس هناك معاناة واضطهاد للمسيحيين؟
نعم ، هناك اضطهادات. لكن المسلمين ليسوا جميعهم داعش. ولم يتعرض جميع مسيحيي الشرق الأوسط للاضطهاد. ثم ، إذا قتَلَنا داعش ، فهو يجعلنا شهداء. يحتضننا يسوع كشهدائه ، وهذا يجعل كنيسة المسيح تنمو وتتألق. لقد كان الوضع دائما هكذا.

اليوم ، في الغرب ، يكثر الكلام عن المسيحيين الشرقيين خاصةً فيما يتعلّق بتنظيم حملات وجمع التبرعات لمساعدتهم على البقاء في أراضيهم. كيف ترين هذه الظاهرة؟
الأعمال الخيرية الاساسية جيدة دائمًا. ولكن في بعض الأحيان هناك من يقدمون أنفسهم كضحايا ، وينظرون إلى الغرب على أنه ماكينة صراف آلي لجمع الأموال. هناك من يبدو أنهم مشغولون بشكل أساسي بإدارة الموارد. وفي رأيي ، فإن ديمومة المسيحيين في الشرق الأوسط لا تعتمد بشكل أساسي على الموارد. من الوهم الاعتقاد بأنه يمكننا كبح جماح فقدان اندثار المجتمعات المسيحية عن طريق إرسال الموارد وإدارتها. وبالتالي فإننا نجازف بعيش الموت دون القيامة. نحن لا نستمع إلى صوت الله ، ما يقوله لنا في هذا الوقت. ولا نستمع للحسّ الايماني عند شعب الله.

قبل عام تقريبًا ، استدعى البابا فرنسيس جميع قادة كنائس الشرق الأوسط إلى باري للتفكير والصلاة معًا امام محن المسيحيين الشرق أوسطيين. ولقد شاركت أيضا في هذا الاجتماع. ما هو الشيء الاكثر الاهميّة الذي حصل في ذلك اليوم؟
لقد كانت تجربة حيّة لعيش المجمعية. كنت المرأة والعلمانية الوحيدة . كانت طاولة الاجتماعات ، التي أقيمت في الكاتدرائية ، بيضاء ودائرية ، وكانت المقاعد مماثلة. لم تكن هناك مشاركات ذات مكانة أكبر أو أقل. وكان البابا أمامي مباشرة.

ومداخلتك؟
كنت آخر من تحدّث ، وتحدثت لمدة دقيقتين ونصف ، أقل من الوقت المتاح لي ، لأنّ الوقت كان قد تأخّر. قال لي الشباب الذين قابلتهم قبل الذهاب إلى باري: قولي للبابا وللبطاركة أننا نريد الوحدة ، نحن نعيشها بالفعل. لقد تحدثت بالنيابة عن الشباب وعن حسهم الايماني.

يقول البعض أنه بعد الاجتماع في باري ، انفجر الشرّ. وحصلت صراعات جديدة بين الكنائس ، وخاصة بين الكنائس الأرثوذكسية.
في الواقع ، في باري كانت هناك رؤية للوحدة الكاملة تقريبًا. لقد بدأ قادة الكنائس العمل السينودسي في الشرق الأوسط ، وقلت أيضًا أن مجلس كنائس الشرق الأوسط على استعداد لمواصلة هذا العمل ، لأنه هيئة كنسية ولدت خصيصًا لهذا الغرض ، لتشجيع السينودسية. الآن ، نحن أيضًا مشروطون بالتمزقات بين الكنائس الأرثوذكسية.

ما هي هيكلية المجلس وكيف يعمل؟
ينتمي إلى المجلس حوالي ثلاثين كنيسة وجماعة كنسية تنتمي إلى أربع عائلات كنسية مختلفة: الكاثوليكية والأرثوذكسية والأرثوذكسية المشرقية والإنجيلية. تتألف اللجنة التنفيذية من ستة ممثلين لكل عائلة كنسية وتجتمع مرتين في السنة. يتم تنفيذ العمل اليومي من قبل الأمانة العامة المشكّلة من أربع إدارات: اللاهوت المسكوني ، الدياكونية (الخدمة ) التي تهتمّ بجميع المبادرات الخيرية والمساعدات الإنسانية والعدالة الاجتماعية وحماية الحقوق - الاعلام/ الاعلان والعلاقات العامة وخدمة اللاجئين الفلسطينيين. الآن ، على سبيل المثال ، لدينا خمسون شخصًا يعملون في سوريا ولبنان والأردن لدعم اللاجئين السوريين. من هؤلاء الناس ، أربعون يعملون في سوريا.

ما هي المعايير الواجب اتباعها وتشجيعها في العلاقات مع المسلمين؟
لطالما وضع مجلس كنائس الشرق الاوسط الحوار الإسلامي المسيحي بين أولوياته. يظل هذا الحوار مهمًا ، لكن بالنسبة إلى مجلس كنائس الشرق الأوسط ، يجب ترجمة هذا الحوار إلى أفعال ملموسة ، يمكن من خلالها للمسيحيين والمسلمين العمل معًا لمصلحة الحرية الإنسانية ، من خلال المواطنة التي تضمن المساواة للجميع. هذه أولوية اليوم ، على وجه التحديد للخروج من دوامة هذه الحروب المستمرة ضد الإنسان والإنسانية التي تنتشر في منطقتنا. في هذا الوقت ، في رأيي ، لم يعد من الضروري التحدث وفقًا لأنماط الماضي. الآن نحن بحاجة إلى التركيز على المواطنة.

هل أصبحت مسألة المواطنة حاسمة بالنسبة لك أيضًا في العلاقات بين المجتمعات الدينية المختلفة؟ ولماذا؟
إذا اعترف المسلمون بأننا جميعًا متساوون في الحقوق كمواطنين ، بغض النظرعن انتمائنا الديني ، فإن هذا يجلب معه حقيقة أنه يجب النظر إلى جميع المواطنين ومعاملتهم دون تمييز واحترام المساواة الكاملة ، حتى على المستوى الديني.

ما هي أكبر المشاكل والعقبات ومن أين تأتي؟
أعتقد أن الأزمة ليست بين المسيحيين والمسلمين. الأزمة هي داخل الإسلام ، لأن الإسلام مدعو للمضي قدمًا في طريقه لقبول الآخر والاختلاف كثروة ، حتى داخل الإسلام نفسه. بدون هذا القبول بالتعددية والتنوع الديني والعرقي والثقافي ، سيواجه الإسلام أزمة داخلية.

الى ماذا تشيرين؟
انّ الإرهاب هو ايضاً ضد المسلمين، فهو يفتك بهم أولاً. لكن الإرهاب، في السنوات الأخيرة ،نطق عدة مرات باسم الإسلام. يجب على المسلمين أن يقولوا بصوت عالٍ لجميع الإرهابيين: ما تفعلونه لا يمكن أن يكون باسم القرآن.

ما هي المساعدة التي يمكن أن يقدمها المسيحيون في هذه النقطة ، والتي تؤثر على المسلمين في القضايا الحاسمة؟
بالنسبة الى الكثيرين من المسلمين ، حتى بين الأكاديميين ، من الواضح أن هذا هو السبيل الذي يجب اعتماده دون تردد. وهؤلاء المسلمون بحاجة إلينا نحن المسيحيين في الشرق الأوسط لسنا "الأقلية" التي يحتاج الإسلام إلى حمايتها. الآن هؤلاء المسلمون هم بحاجة الينا للمضي قدماً. ولدينا واجب ومهمة تقديم الدعم لهم ، حتى لو بدأت ثمار ذلك تظهر بعد 50 سنة.

هل يتحرك شيء؟
كانت هناك وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقّعها البابا والإمام الأزهر في أبو ظبي، والتي كان من الضروري السير مع البابا لتوقيع تلك الوثيقة ، للوصول إلى هذه المرحلة.

كيف يمكننا إجراء حوار مع الإسلام ، عندما يكون هذا الحوار عامل فصل بين المجتمعات المسيحية الفردية؟
أولاً ، علينا أن نسأل أنفسنا: ماذا نريد ،أين نريد أن نتحاور مع المسلمين؟ هل نحن بحاجة إلى معرفة الإسلام ، أو معرفة كيف ينظرون الينا ، أو كيف ننظر نحن اليهم؟ في رأيي ، الحوار يخدم كل هذا ، ولكن ليس هذا فقط. الحوار مثمر إذا ساعد الجميع في فهم ماهية الآخر وتعميق فكرة الآخر. هناك حاجة الى الحوار حتى يتسنى للجميع ، بمن فيهم المسلمون ، أن يتعرفوا الآخر ويتقبلوه ، ويمكنهم السير قدماً في هذا الامر ، في هذا التنوع ، لتقاسم الانتماء المشترك للعائلة البشرية. وللقيام بذلك ، هناك سبيل يسهل المسيرة.

ما هي هذه الطريق؟
طريق المواطنة للجميع. مع المسلمين ، يجب ألا نتحدث مرة أخرى عن أفكارنا عن الله ، وعن تعريفاتنا لله ، ولكن عن كيفية رؤيتنا للإنسان. إذا أدركنا أن الإنسان مخلوق على صورة الله ، وأن لكل كرامته التي وهبها له الله ، باتباع هذا الطريق معًا ، يمكننا أن نمضي قدمًا. هذا هو اللاهوت الذي نحتاجه والذي نحتاج إلى التحقيق فيه. لكي نثبت اننا مسيحيون أيضًا ، أن ننظر إلى الإسلام نفسه الذي يراه الله ، وأن ننظر إليه بنظرة الله.


مشاركة:
الشرق الأوسط


الكنائس الشرقية


مسكونية


الإسلام


حوار


شهداء


اضطهادات